ابن عربي
148
فصوص الحكم
شهداء على أممهم ما داموا ( 1 ) فيهم . « فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي » : أي رفعتني إليك وحجبتهم عني ( 2 ) وحجبتني عنهم « كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » في غير مادتي ، بل ( 3 ) في موادهم إذ كنت بصرهم الذي يقتضي المراقبة . فشهود الإنسان نفسه شهود الحق إياه . وجعله بالاسم الرقيب لأنه جعل الشهود له فأراد أن يفصل بينه وبين ربه حتى يعلم أنه هو لكونه عبداً ( 4 ) وأن الحق هو الحق لكونه ربّاً له ، فجاء لنفسه بأنه شهيد وفي الحق بأنه رقيب ، وقدمهم في حق نفسه فقال « عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ » إيثاراً لهم في التقدم وأدباً ، وأخّرَهم في جانب الحق عن الحق في قوله « الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » لما يستحقه الرب من التقديم بالرتبة . ثم أَعلم ( 5 ) أن للحق الرقيب الاسمَ الذي جعله عيسى لنفسه وهو الشهيد في قوله * ( عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) * . فقال « وأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » . فجاء « بكل » للعموم و « بشيء » لكونه أنكر النكرات . وجاء بالاسم الشهيد ، فهو الشهيد على كل ( 6 ) مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود . فنبه على أنه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى حين قال « وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ » . فهي شهادة الحق في مادة عيسوية كما ثبت أنه لسانه وسمعه وبصره . ثم قال كلمة عيسوية ومحمدية : أما كونها عيسوية فإنها قول عيسى بإخبار الله عنه في كتابه ، وأما كونها محمدية فلموقعها ( 7 ) من محمد صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي وقعت منه ، فقام بها ليلة كاملة يرددها لم يعدل ( 8 ) إلى غيرها حتى مطلع الفجر . « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . و « هم » ضمير الغائب كما أن « هو » ضمير الغائب ( 9 ) .
--> ( 1 ) ن : ما كانوا ( 2 ) « وحجبتهم عني » ساقطة في ن ( 3 ) ن : ساقطة ( 4 ) ب : عبداً في الواقع ( 5 ) ا : ساقطة ( 6 ) ا : كل شيء ( 7 ) ب : فلوقوعها ( 8 ) ب : لم يعد ( 9 ) ن : للغائب